آخر أخبار العواصف
  • الرابحون والخاسرون
  • رسائل الجنوب الثانية والثالثة: خيار المقاومة وزعامة برّي

بين الثنائية والمعارضة كلمة السر نبيه بري

محمد حسن سعد كاتب وباحث سياسي
(تنويه هذا المقال نشر عشية انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية ونظرا لاهميته ودلالاته الكبيرة وبعد ان دخلت الامور السياسية في لبنان في منعطف خطير يتمثل في الهجوم المنهجي على دولة رئيس مجلس النواب نبيه بري تحقيقا واحياءا للثنائية نعيد نشر المقال كونه من المقالات الاستشرافية والمستقبلية)
     كانت الوحدة الوطنية اللبنانية شرطاً اساسياً، تطلبه تحقيق الاستقلال السياسي، وتبقى الوحدة الوطنية اللبنانية شرطاً ضروريا، يتطلبه كل استحقاق وطني لتبقى الدولة او بالاحرى ما تبقى منها سليماً ومعافأً .
     ولا بأس من التذكير بعجز صيغة القائمقامتين (1945- 1961)، وهي اول صيغة سياسية بنيت على ركيزة ثنائية طائفيه بين الدروز والمسيحيين، عجزت عن ادارة دفة الحكم، بسبب كثرة النزاعات الدموية بين اللبنانيين، وصولا الى ولادة متصرفية جبل لبنان (1961 – 1914) وفق صيغة متعددة بموافقة عثمانية ومباركة وحماية خارجية" .
     وقد ساهم الانتداب الفرنسي في تعميق ازمة الانقسام الوطني، من خلال الصيغ التي كان يفرضها، والتي كانت تدخل الطائفة والمذهب في كل تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية، كما ساهم هذا الانتداب البغيض في  اثارة الخلافات الداخلية خدمة لمصالحه الاستعمارية، حتى وصلنا الى عام 1943، السنة التي نال لبنان فيه استقلاله حيث ولدت الصيغة، التي ارتكزت على البرجوازيتين المارونية والسنية، التي حكمت وتقاسمت السلطة واحتكرت الحكم، وان كانت الغلبة في الادارة وتسيير الامور لما اصطلح على تسميته بالمارونية السياسية، في ظل تهميش الفئات الاخرى ، وهنا يمكن القول ان النظام السياسي الوليد انذاك فشل فشلاً ذريعاً في تطوير وبناء مؤسساته المستقلة، لنصل الى نتيجة حتمية، وهي ان الديمقراطية التوافقية التي يلبسها البعض لصيغة ميثاق  1943، لم تنجح في بناء نظام ديمقراطي سليم، وابلغ دلالة على ذلك قول المفكر ميشال شيحا وهو الاب الروحي للصيغة التوافقية: "ان النظام السياسي اللبناني ليس سوى ديكتاتورية مقنعة، اذ بقيت المواطنة الحقيقية التي تساوى بين اللبنانين في الحقوق والواجبات صعبة المنال ".
     ولعل من المفيد العودة سريعاً الى البيان الوزاري الاول، والذي قدمته حكومة رياض الصلح في السابع من تشرين الاول عام 1943، ونالت بموجبه الثقة بالاجماع من المجلس النيابي، الذي كان يرأسه انذاك صبري حمادي، والذي يمكن وصفه ببيان الاستقلال والديمقراطية، الوحدة الوطنية، الدستور وقانون الانتخاب، والتعايش والمعايشة، الا ان كل هذه العناوين كانت تحتضر وتنتهي وتتلاشى في محضر الثنائية المستبدة والمتحكمة بتفاصيل الحياة السياسية اللبنانية.
    فالحكومات اللبنانية المتعاقبة في مرحلة الاستقلال، وما بعده فشلت فشلاً ذريعاً في بناء دولة عصرية، تقوم على مقومات صحيحة وسليمة، وان نجحت بموجب اتفاق الطائف بمساندة الخارج، ودعمه في وقف الحرب، لكن دون المناعة الداخلية التي تحقق وتعزز الوحدة الوطنية، مما استوجب دائماً تدخلات خارجية لمنع الانفجار مجددا،ً والذهاب بعيداً في خلافات لا تبقى ولا تذر.
      ونحن اليوم اكثر من اي وقت مضى، معنيون بقراءة ما يحصل من زواية مركزية واساسية، وتعتبر محطة اجماع الجميع وهو " ان لبنان وطن منها في لجميع ابنائه " قالها الامام المغيب السيد موسى الصدر، وتكرست نصاً ميثاقياً ودستوريا، وبات لازمة اساسية في خطاب كل الافرقاء السياسيين.
     وانه لمن دواعي الحكمة، النظر في الخطاب السياسي المستحضر اليوم، لبعض القوى السياسية، الذين يلوحون بالفيدرالية حلاً، ما لم تولد الحلول كما يشتهون ويرغبون، ففي العام 2015 طرح العماد ميشال عون الفيدرالية كحل على غرار من سبقه من دعاتها زمان التقاتل والانقسام، قبل ان يعود ويسحبه في التداول بعد الموجة الكبيرة غير المرحبة من قبل الحلفاء، سيما وان النائب سليمان فرنجية تمنى ان تكون الفدرلة زلة لسان من رئيس التيار البرتقالي، وحتى لا ينسى البعض، فان الفيدرالية ازهقت ارواح كثيرة، وهجرت وشردت عشرات الاف من اللبنانيين، لانها تعني وبوضوح التقسيم الذي تعمل عليه الصهيونية، او لعل ذلك جزء من مخطط الفوضى الخلافة، التي تملأ كامل الاقليم العربي، حروب وصراع هويات ومشاريع هندسة لتركيب الدويلات الطائفية التي تشبه اسرائيل وتخدمها.
    وليهنأ انطوان نجم (رئيس مصلحة العقيدة في الكتائب اللبنانية سابقا ويلقب ابو الفيدرالية اللبنانية)، او كما يحلو للقواتيون القدامى بتسميته "ضمير المقاومة اللبنانية"، بان تنظيره للفيدرالية حمله رئيس التيار البرتقالي جبران باسيل وطرحه على طاولة الحوار الوطني، مستحضراً ادبيات الجبهة اللبنانية زمن الاقتتال، والحروب العبثية والادارات المدنية والذاتية، زمن الدويلة "المسيحية" التي طرحتها القوات اللبنانية مع بشير الجميل، وحدودها من كفرشيما الى المدفون (2000كلم)، فهل هذه هي االوطنية والميثاقية التي تخدم طروحات دعاة لبناننا، واللامركزية السياسية وحقوق المسيحين (كأن الحقوق تجزأ وتقسم على الطوائف والمذاهب، الحقوق تعطى للانسان) والانعزالية؟ ، فهل تلبس جبران باسيل شخصية رعد في فريق بشير الجميل زمن الانقسام وخطوط التماس والحرب الاهلية؟.
     ويلجأ البعض الى استخدام المصطلحات وانتقاء المفردات، تجنبا للمواجهة وتحقيقا للمسايرة، لكن ذلك لا يصلح ولا ينفع، عند يكون الكيان والهوية الوطنية في خطر، لذا ما يبدو واضحاً ان اي محاولة للعودة بلبنان الى الوراء، زمن الطروحات التدميرية والتقسيمية سيلقى مواجهة وممانعة كبيرتين، وقد عبر عن ذلك عضو هيئة الرئاسة في حركة امل الدكتور خليل حمدان خلال المسيرة العاشورائية، التي نظمتها حركة في مدينة النبطية، اذ قال وبوضوح: "لن نكون على الحياد وسنتصدى لكل طرح تقسيمي، وان كان بالرأي سنتصدى بالرأي، وان كان بالشارع سنتصدى بالشارع، وان كان بالقوة سنتصدى بالقوة لمنع صهينة لبنان".
     ولاننا اليوم بصدد محاولة لاعادة احياء صيغة 1943، واحياء الثنائية التي تهمش الفئات الاخرى، سيما وان الامام الصدر كان من الرواد المتصدين لهذه الثنائية التي باعدت بين اللبنانيين وانتجت الحرب الاهلية، وادخلت ابناء الوطن الواحد في صراعات دموية امتدت طويلاً واتت على كل شيء، وللتذكير ففي العام 2005 وبعد عودة العماد ميشال عون من منفاه الباريسي، واستبعاده من لوائح 14 آذار الانتخابية، وحصوله على كتلة نيابية - سياسية منظورة، استدرك الحريري الامر وفاتح العماد عون بفكرة الثنائية في السلطة، ورد عليه عون بالايجابية، مذكر اياه بثنائية الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، واستمرت محاولات احياء الثنائية، الى ان وصلنا الى اتفاق يفضي بتبني سعد الحريري الى ترشيح ميشال عون رئيساً للجهورية، وما يؤكد ذلك الكلام المواقف السياسية والاعلامية التي اطلقها العماد عون في مقابلة على تلفزيونه otv، اذا اختار الجنرال كلماته بعناية وهدوء، مشيراً الى اهمية دور الطائفة السنية والحاجة اليهم لمنع الاندثار الحاصل، تبعه بعد ذلك صهره رئيس التيار البرتقالي جبران باسيل من على شاشة تلفزيونlbc ، فأفاض في اظهار محبته للسنة، وتقديره لدورهم واشادته المفرطة بالمملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، مسجلا عدم رضاه وتطابق مواقفه مع حليفه حزب الله، سيما في موضوع التدخل العسكري في سوريا، فتحول الابراء المستحيل الى ابراء مبرم ومضمون، وتبخرت معه كل كلمة وردت فيه، وتبخرت معه الوعود الاصلاحية التي بات من الوضوح انها شعارات جوفاء فارغة المضمون والمعنى، تستخدم في تحصيل المكاسب السياسية الضيقة بانتهازية واضحة، ونفعية جلية لا نحتاج الى كثير عناء لقراءتها واظهارها.
   وما يؤكد اننا امام ثنائية جديدة تشبه ثنائية صيغة عام 1943، نص الاتفاق الذي انجزه كل من جبران باسيل ونادر الحريري، واعلنه الرئيس سعد الدين الحريري في بيت الوسط، اثناء تأييده ودعمه لترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، واخطر ما فيه استعادة بدعة الحياد زمن الحرب الداخلية، التي ادخلتنا في مراحل الوهن والضعف والضمور والانقسام والتقاتل والحروب المدمرة، والاخطر من ذلك ان كل هذا يحصل، وسط صمت مريب من الذين يعتبرون ان في رقبتهم دين وجب وفائه.
   وامام هذا المشهد المتجه نحو الانحدار اكثر فاكثر خرج دولة الرئيس نبيه بري، ليقول بصراحة انه رأس معارضة العهد القادم، معلناً عدم تأييده وانتخابه لميشال عون كرئيس الجمهورية، ومن موقعه وهو ابو الميثاقية الدستورية الحقيقية، التي جسدها في ممارسته، في اصعب واحلك الظروف، وهو ايضاً الذي رفض التهميش والاقصاء وحاربهما، وهو الذي يؤمن بان الديمقراطية السليمة مدخلها قانون انتخاب جديد يشكل معبرا حقيقياً للتنمية السياسية المستدامة، وقانون احزاب وطني جامع عابر للطوائف، واصلاحات ادارية وتربوية واقتصادية واجتماعية تعطي اللبناني ضمانة بعيش كريما وحرا، وقبل كل ذلك الغاء الطائفية السياسية، والانتقال الى الانتماء الوطني، والى حين يلاقي الافرقاء السياسين الرئيس نبيه بري عند هذه العناوين الوطنية الجامعة، فانه ومن موقعه كرئيس لحركة امل التي رفضت سياسات العزل وتهميش المكونات اللبنانية ، وتهشيم ما تبقى من الطائف، سيواجه كل ذلك وسيمنع الانزلاق بالوطن نحو الهاوية، وللتاريخ اذكر من تناسى او ضمرت ذاكرته، بان من اسقط اتفاق السابع عشر من آيار من عز السطوة الاسرائيلية والهيمنة الدولية والحصار والدمار، لن يستغرق منه طويلاً اسقاط الثنائية التي تسعى لحكم الوطن بعقليتي المفلس والمجنون .